شهادة التوحيد وفضلها على الناس

 

لما بعث الله النبي – صلى الله عليه وسلم – كانت قُريشٌ تكيدُ له المكائد، وتُغريه بالهدايا والأُعطِيَات كما ذكر الإمام الدارَ قُطني. وكانت تُريدُ مُقابلِ ذلك دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – لترك التوحيد وعبادة الأصنام والشرك بالله عزَّ وجلَّ!

وبَعثت إليه حُصَيْن بن المُنذر الخزاعي، وهو والد الصحابي عمران بن حصين – رضي الله عنه – وهو من كبار قريش في المكانة والمنزلة.

حتى جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال له: كما تقول قُريش في العادة: يا محمد فرقت جمعنا وشتت شَملَنا، وفعلت وفعلت وفعلت، ولم يأتِ أحدٌ قومٌ بما جئت به، ولما انتهى من كلامه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أجبني عما أسالك يا أبا عمران. فقال له سل ما بدا لك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا حُصين كم إلهًا تعبدُ؟ قال: أعبُدُ سَبعة: ستَةً في الأرض، وواحدًا في السماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا مرض الولد من تدع؟ قال: أدع الذي في السماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا هلك المال والعيال من تدع؟ قال: أدع الذي في السماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيستجيبون لكَ كُلهم أم هو وحده؟ قال حصين: يستجيب وحده. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذًا يستجيب لك وحده.. وينعم عليك وحده.. وتشركه في الشكر.. أم أنك تخاف أن يغلبوه عليك؟ قال: لا يقدرون عليه، بل هو يقدرُ عليهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسلم أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، وأسلمَ – رضي الله عنه – وعلمه النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا الدُعاء:

اللهم اغفر لي ذنبي وقني شح نفسي

وكانوا آنذاك يعبدون الآلهة المزعومة، وكانوا يتقربون إلى الله بعبادتها وإشراكها في العبادة مع الله – عزَّ وجلَّ – وكانوا يقولون:

مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى

وكانوا يعتقدون أنَّ الله عز وجل هو الخالق الرازق المُحيِي والمميت، قال الله في خبرهم أنهز كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت:

 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ

فالتوحيد هو أساس هذه الحياة الدُنيا، وما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا لعبادته وحده سبحانه وتعالى:

 اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ

ولايجوز أن يلقى الشخص ربه وهو يعبدُ مع الله وليًَّا صالحًا، أو نبيًَا مُرسلًا، أو مَلَكًا مُبَجَلًا، فضلًا عن أن يعبد صنمًا، أو أن يتمسح بشجرةٍ، أو قبرٍ، أو يطوف عليه؛ لأن الطواف عبادة لله، وإنما يكون بالكعبة خاصة، ولا يجوز الطواف بغير الكعبة أبدًا، أو أن يستغيثَ به من دون الله عزَّ وجلَّ.

ولقد كان الأنبياء يُحّذرون قومهم من هذا الشرك، وقال الله عنهم:

 أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ

وأخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال ذات مرة في خطبته يُحَدِثُ عن الله، يقول الله عزَّ وجلَّ:

َإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ

خلق الله تعالى آدم عبدًا موَحِدًا لله – عز وجل – حتى تسلطت الشياطين على ذريته وجعلتهم يصرفون العبادة كلها لغيرِ الله. وأخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – أنَّه كان بين آدَمَ عليه السلام ونوحٍ، وهو أول الرسل إلى الأرض، ألف سنة. وكلهم كانوا يعبدون الله وحده، ولا يُشرِكون معه أحدًا آخر يصرفون إليه العبادة، والعجيب أنَّه كيف بدأ بهم الشرك؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ أول الشرك كان في قوم نوحٍ. ففي كتاب التفسير من صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد.

وبدأ الشرك يتسلل إلى أنواعٍ من الناس، ولو سألت النصارى أو اليهود: هل تعتقدون عدم وجود الله؟ لقالوا: لا، ولكن نعبد شخصًا ليقربنا إليه، وهذا هو الشرك والعياذُ بالله. وكان في قوم نبي الله نوح – عليه الصلاة والسلام – رجالًا صالحين، واسمهم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فلما ماتوا وسوس الشيطان إلى قوم نبي الله نوح، وقال لهم: اصنعوا أصنامًا على أشكالهم.

وبالفعل، لم يعبدوها، بل كانوا يعبدون الله، وكانوا يمرون بالأصنام، وإذا رأى هذا الصنم الذي هو على صورة الرجل العابد الذي مات فتزداد العبادة والتعظيم، ومرَّت الأزمان حتى بدؤوا الطواف عليها والذبحَ عندها. وحتى وصل الأمر إلى قريش، منهم أبو لهب وأمية بن خلف حتى قال الله عنهم في رَدِهم على النبي صلى الله عليه وسلم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.

وهم لا يعظمونها أكثرَ من الله، بل هي وسيلة لعبادة الله والوصول إليه بحسب زعمهم.

حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟

قَالَهَا ثَلاثًا ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ.

فالتوحيدُ هو الأصل والأساس، وهو الذي يغفِرُ الله كل الذنوبِ بعده دون الشرك ومآلُ المؤمن بالله الجنَّة، وإن ماتَ على التوحيد

 إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا.

قال الله تعالى في حقِّ من صرف شيئًا من العبادة لغير الله عز وجل:

 إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (195).

( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ )

ثم يقول النبي في الحديث القدسي في ما يرويه عن الله عز وجل:

يَا ابنَ آدَمَ إنِّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقِرَابِ الأَرْضِ خطَايَا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِك بِيْ شَيْئًَا لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً

فإذا فتحت صحيفة الإنسان يوم القيامة ويُرى فيها الطاعة والمعصية، ولكن لا سجود لغيرِ الله ولا شرك به فيسغفر الله له، ولما كان الشرك ضياعًا للأُمَّة حتَّى إنَّه لمَّا دخلت التتار على بغداد سنة ستِمئة وسِتَة وخمسين للهجرة عندما قرَّبَ الخليفة العباسي ابن الَعلقميِ ذَلِكَ الرافَضِي، ولما كادَ لها حتَّى أسقَطها، حتى قال ابن القَيّم رحمه الله:

فَقَضَى عَلَى سَيْفِ التَتَارِ الأَلفُ فِي مِثْلٍ لَهَا مَضْرُوْبَةً بِوِزَانِ، وَكَذَا ثَمَانِمِئِينِهَا فِي أَلْفِهَا مَضْرُوبَةً بِالعَدِّ وَالحُسْبَانِ حَتَّى بَكَى الإسْلاَمَ أْعدَاه اليَهُودُ، كَذَا المَجُوسُ وَعَابِدُ الصُلْبَانِ.

كان الناس قد وقعوا في الشرك والطوافِ حول القبور والاستغاثة بها من دون الله والتتارُ أمامهم وصاح قائلٌ فيهم: يا أيها الخائفون من التَتَر، لُوذُوا بِقَبْرِ أبي عُمَر، يُنْجِيكُمُ من الضَرَر، فلم ينجهم أبو عمر، ولا غيرُه من ضرر التتار، وما أنجاهم إلا الله بمن سخره من أهل العلم الذين ساروا على طريقة خير القرون ونور العيون من المجاهدين والصادقين، فأنقذهم الله من هول التتار بأهل الإيمان والثبات واليقين، فهؤلاء هم روح الأمة وجوهرها، وسرّ عزّها وتحررها.

والشرك ضِدُ التوحيدِ، وهو نوعان: وهما أكبَر، وأصغر. والنوع الأول الأكبر إلى أقسامٍ ثلاثة ينقسِم، والأول هو: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وَمَا رَبُ ‏العَاَلَمِيْن. أو تعطيلِ أسماْء الله وصفاتهِ جلَّ وعلا، أو أيضًا لا تعطيل أسماء الله وصفاته، ولكن إشراكُ أشخاصٍ أو أشياءٍ في العبادة مع الله – عزَّ وجلَّ – كالنصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة. وشركُ المجوس القائلين بإسناد فعل الخير للنور وفعل الشر للظلام.

ومن هذا النوع الكثير، فمنهم أيضًا من يجعل الكواكب العُلْوِيَّة مُدبرة لهذا الكون ممن هم من الصابئة وغيرهم، ويُلحق بهذا الشرك أن أرواح الأموات من الصالحين تتصرف في تفريج الكُرُبات وكشف المُلِمات!

والقسم الثاني من الشرك الأكبر هو الشرك في توحيد الأسماء والصفات، وهو نوعان:

أولُهُما: وهو تشبيه الخالق كالمخلوق، ويقول: يدٌ كيدي، وتعالى الله عن ذلك عُلُوًا كبيرًا.

ثانيهما: اشتقاقُ أسماءٍ لآلِهَةٍ باطِلَة من أسماء الإله الحقِّ – تبارك اسمه وتعالى ثناؤه – قال الله تعالى:

 وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

قال ابن عباس رضي الله عنه: يُلحدون في أسمائه، يُشرِكون. وعنه أيضًا قال: سموا اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز.

والقسم الثالث وهو: الشرك في العبادة والألُوهية، ومنه أنواع:

الأول: الشِركُ في النُسْكِ والشَعَائِر، وهو تقديمُ الذبح والدعاء والقرابين والاستغاثة لغيرِ الله – عز وجل – فقال الله تعالى في حقِّ هؤلاء:

 إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ

ولقد أجمع علماء الأمة على من جعل بينه وبين الله وسيطًا وشفيعًا يسأله الشفاعة من دون الله، فقد كفر.

والثاني هو: شرك التحليل والتحريم من دون سُلطانٍ من الله، وقال الله فيه:

 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

والنوعُ الثالث وهو: شرك المحبة قال الله فيه:

 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ

وعلى هذا الحال فلا يجوزُ بِناءُ المساجد فوق القبور ولله الحمد خلال هذه السِنين الأواخِر لم يُبنى مسجد فوق قبر إلا الشيءَ اليسير ولايجوز بناء المساجد فوق القبور كما نهانا النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله:

عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى اتَّخَذوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا.

قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ تُتَّخذا مَسْجِدًا.

قال الله تعالى عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم:

 وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا

فاحرص على هذه الخصلَة التي تُميزُك عن باقي الناس، وهي توحيدك لله – عزَّ وجلَّ – ولا إله إلا الله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *