الحرية في العالم العربي والغربي


لطالما كان الإنسان محتاجًا للحريّة على مرِّ العصور والدهور ومن قديمِ الزمان وحتّى الآن لكي يكونَ مرتاحًا بما يفعل ويقول بما لايكون هذا الأمر فيه ضرر على الناس وعلى من حوله ولكلٍّ حريته الخاصة به
فالحريّة لغةً: هي المصدر من حرّ، وهو نقيض العبد، والجمع منه حرائر، أمّا الحرّ من الناس: فهو أفضلهم وأخيرهم، والحرّ عند العرب: هو أشرفهم
أمّا مفهوم الحريّة اصطلاحًا فقد تعدّدت تعاريفه واختلفت اختلافاً كبيراً؛ حيث ورد تعريفها في إعلان حقوق الإنسان والذي صدر في عام 1789م على أنّها: حقّ الشخص في فعل ما لا يضرّ بالأشخاص الآخرين.


إنّ الحرية قرينة الإبداع والخلق، ولعل مؤشر قمع الحرية داخل المجتمع يكون سببًا واضحًا في تكييف
الإبداع بكل مجالاته سواء قبل ممارسته أو بعدها مباشرة، بمعنى أنّ المبدع عندما يعرف بحكم خبرته
ومعرفته وتجربته الخاصة أنّ إبداعه وعمله سوف يلاقي منعًا ما أو موقفًا معاديًا، فإنّه يمارس على نفسه
نوعًا من الرقابة الذاتية ويمنع نفسه من ممارسة حريته الكاملة في إبداع يتأثر بمؤشر القمع والمنع فيخرج
ناقصاً وضعيف البنية. ولذلك فإننا نجد في مجتمعاتنا العربية عامّة انتشار مؤشرات القمع والمنع والحظر
والمصادرة في التعاطي مع الإبداع بكلّ تجلياته 

فالأنسان حرٌّ بإرادته وتفكير ودينه وعمله وسياسته وفعله ورأيه وكل مايخصّه من أمرٍ وفق ضوابط إنسانية وأخلاقية لاتضر الناس 
وكل أنواع الحريات العامة وأجمل مافي الحياة أن يعيش الشخص حرًّا لايتحكم فيه أحد لابأكلهِ ولاشُربهِ ولاكلامهِ ولاعملهِ ولانومهِ

أما إن كان الناس يحيطون بالشخص ويمنعونه من الكلام والتفكير والعمل إلا بما يُريدون فهنا تكون المشكلة كبيرة وقد تتفاقم إلى ما لايكون خيرًا على الناس !!!
فالدين الإسلامي جاء موافقًا للفطرة البشرية التي كانت من سمات الشخصية الإنسانية التي هي الحرية،وفق ضوابط إنسانية وأخلاقية شرعية ولذلك كان أكثر ما يجذب الناس الدين الإسلامي ولذلك قالوا: الإسلام دين الحرية الكاملة
فكانت الحرية مقصدًا من المقاصد الدين الإسلامي ولذلك لايستغني الفرد عن الحرية ولا الجماعة ولا الناس كافة،ولذلك هنالك ضرورات لايُمكن إلا العيش بها ومنها: العقل والنفس والدين والنسل والدماء
وهناك أيضًأ أمورًا يحتاجها الناس من جملتها،البيع والشراء
وهي أشياء يجب أن تكون جميعها موجودة عند البشر تتفاوت من شخصٍ لآخر،فالحرية هي من الضرورات ليست من الحاجات ولابد أن تكون موجودة في حياة الناس ولذلك عمل الدين الإسلامي على توفيرها للناس وفق ضوابط أخلاقية وإنسانية
ضوابط الحريّة في الإسلام

ألّا تؤدي الحريّة إلى تهديد سلامة النظام العامّ ومصلحته، وتقويض أركانه، سواءً على مستوى الفرد أو الجماعة.
ألّا تفوّت الحريّة حقوقًا أعظم منها، من خلال رؤية قيمتها ورتبتها ونتائجها.
ألّا تسبب حريّة الفرد الضرر لحريّة الآخرين.
ونرى ونستنتج أن
آثار مفهوم الحريّة حسب الرؤية الإسلاميّة
إدراك الإنسان الهدف من وجوده ألا وهو عبادة الله عزّ وجلّ، والتوكّل عليه وبذل الأسباب لإعمار الأرض.
التحرّر من العبودية لغير الله .
تحقيق الطمأنينة والسعادة والرضا بالقضاء والقدر.
تحرّر الإنسان من الاكتئاب والقلق والاضطراب النفسيّ.
الشعور بالطمأنينة والسكينة على النفس والمال والأهل، والشعور بالأمن والأمان في كل شيء.
ممارسة الحريّة المتاحة شرعيّاً في أسمى صورها وتطبيقاتها؛ من الجوانب جميعها: الاقتصاديّة، والتعبديّة، والثقافيّة، والأسريّة
والدين الإسلامي كان ولايزال مدافعًا عن الحريّة السياسية في جميع العصور والأزمانففي عهد الحجّاج بن يوسف الثقفي اعتقل رجاله أحد الناس فأخذوه من بيته واعتقلوه لانهم كانوا يبحثون عن ابن عمّه ولم يجدوا ابن عمّه فاعتقلوه !! إلى أن يأتي ابن عمّه ويُسلِّمَ نفسَهُ وذات مرّة قال الحجّاج لمن حوله أئتوني بمن في السجون ورأى هذا الرجُلَ وقال لهُ: لماذا أنتَ هُنا ؟
قال له: أحدث ابن عمّي أمرًا ولم يجدوه رجالُكَ واعتقلوني بدلًا عنه إلى حين أن يُسلِّمَ نفسهُ !
فقال له الحجّاج ألم تسمع قول الشاعر حينَ قال:
جانيكَ من يجني عليكَ وقد *** تَعْدِي الصِّحَاحُ مَبَارِكَ الجُرْبِ
ولَرُبِّ مأخُوذٍ بِذنْبِ عَشِيرَةٍ *** ونجَا المُقَارِفُ صَاحِبُ الذّنْبِ
فقال له الشخص ولكنني سمعت الله تعالى يقول غير قولِ الشاعر 
وقال له الحجّاج : وماذا يقول الله تعالى ؟
فقال له الشخص : يقول الله تعالى
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79)
فما كان من أمر الحجّاج مع طغيانه وظلمه إلا أن استسلم للنصّ الإلهي وترك الرجل حرًّا وأخلا سبيله
وقال لمساعده نادِ في النّاس وقل لهم : صدقّ الله وكذبَ الشاعر
واليوم بعض الأنظمة الاستبدادية تأخذ الشخص وأهله وكل من له علاقة به !!
آثار مفهوم الحريّة حسب الرؤية الغربيّة


آثار فكريّة

ظهور تيّار من المفكرين والسياسيّين والعلماء الذين ينادون بالعلمانيّة.


الدعوة إلى حريّة العقيدة.


التركيز على حريّة الفرد، والتي من خلالها يتحرّر من القيود كلّها؛ سواءً: الدين، أو الأخلاق، أو الأعراف.


ظهور ما يُسمّى بالليبراليّة الثقافيّة، والتي تدعم حريّة الفرد ليكون ضدّ العادات والتقاليد والقوانين التي تقيّد حريّته الشخصيّة.


نشر الفكر والثقافة الغربيّة بالوسائل والطرق المتنوّعة؛ بحجّة حريّة التعبير عن الرأي.


آثار اجتماعيّة

تأثيرها في البنية الاجتماعيّة والأسريّة، والدعوة إلى تحرير المرأة.
العمل على تشويه مكانة المرأة في الإسلام، وذلك بنشر ما يزعمون عن اضطهاده للمرأة.
انتشار الجمعيّات الأهليّة المدعومة من الغرب، والتي تسعى إلى محاربة الهويّة الثقافية الإسلامية.
الدعوة إلى تعليم الأطفال الثقافة الجنسية، وتشجيعهم عليها.
هدم العلاقة الإنسانية الفطرية ما بين الرجل والمرأة؛ لتصبح علاقة تنافسٍ وصراعٍ ومنازعاتٍ.
آثار اقتصاديّة

حيث ظهرت الليبراليّة الاقتصاديّة، والتي تنادي بأنّ الدولة لا ينبغي لها أن تتولّى الوظائف التجاريّة والصناعيّة، كما أنّه لا يحق لها التدخّل في العلاقات الاقتصاديّة بين الأفراد والمجموعات.
ويقول الكاتب الفرنسي جان بول سارتر عن الحرية : لايٌمكن للإنسان أن يكون إنسانًا إلا بالحريّة ولذلك الحرية هي الإنسانية حسب تعريف سارتر
ويعرفها سارتر أيضاً بأنها هدف يسعى الإنسان إليه: «وأننا إذ نريد أن نجعل حريتنا هدفًا
نسعى إليه فعلينا أن نعتبر حرية الآخرين هدفاً هو أيضًا نسعى إليه

أمّا هيغل فيرى أنّ «الحرية هي العنصر المكون لمفهوم الإنسان، إنّ الوعي بهذه الحقيقة قد عمل عبر
التاريخ كغريزة مدة قرون وقرون، وحققت تلك الغريزة تغيرات عظيمة، لكنّ القول إنّ الإنسان حر بطبعه
لا يعني بمقتضى كيانه الملموس بل يعني بمقتضى ما تعنيه ومفهوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *